محمد أبو زهرة

3493

زهرة التفاسير

وإن قوله تعالى عنهم أنهم يقول بعضهم بلمح النظر : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ فيه إشارة إلى أنهم يريدون أن يتسللوا من المسجد لواذا لا يحس بهم أحد حتى لا يعرف نفاقهم ، ويتميز أمرهم ، وهم لفرط انغمارهم في النفاق يحسبون أنهم لا يعلم بهم أحد ، مع أن أعمالهم تكشف عن سرائرهم ولا يخفى أمرهم على أحد ، فإن لم يكن ظهوره بأقوالهم ، فظهوره بأفعالهم وتقاصر هممهم عن أي خير ، و مِنْ في قوله تعالى : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ لاستغراق النفي ، أي هل يراكم أي أحد ، و هَلْ للاستفهام الإنكارى بمعنى إنكار الوقوع أي لا يراكم من أحد فأخرجوا . ثم بين سبحانه السبب في أنهم لا يذكرون ولا يرجعون عن غيهم ، مع توالى المنكرات المنهيات فقال تعالت كلماته : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( الباء ) للسببية أي أن انصرافهم عن الاستماع للقرآن وتدبر معانية ، وعن الاختبارات المتوالية بسبب أنهم لا يتدبرون الآيات ولا الأحداث ، ولا يعتبرون بالعبر ، وذلك كله من عدم فقه الأمور ، والآيات ، وإدراك غاياتها ومراميها ، وقد ختم اللّه تعالى السورة التي كثر فيها ذكر القتال وانبثاق النفاق بما يدل على أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم نبي الرحمة فإذا كان قد قاتل ، وكشف النفاق وأهله فذلك من باب الرحمة بعباده والرأفة بهم ؛ لأن قتال المفسدين وكف فسادهم رحمة بالأبرار المتقين ، فليس من الرحمة بالناس أن يترك الشر يستشرى ، والرذائل تتحكم ، والاعتداء يسيطر ، فإن الضعفاء فريسة المستضعفين ، والفساد يتضمن ظلم الذين لا يستطيعون دفعه ، وكشف النفاق رد لمكايد المنافقين ، ولقد قال تعالى : . . . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) [ البقرة ] . ولأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم نبي الرحمة قال - تعالى - مخاطبا العرب أجمعين : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) .